عذابات الوردة الشرسة


مقهى | مجرد أربعة | حواريه | برتابا… برتابا | مطر أسود | احتراق | فيضان | الكرسي | رجل الغبار | تحول | ذبابة | الرجل الذي قفز من الشرفة | أكياس ممتلئة | ورابعهم… | الاحتفال |


مقهى

 

    في غابة الإسمنت، ليس من شقة تتسع فَرَحَين بحجم أصغر فجيعة كونية، قد يسمح المقهى بنصف نهار يوم، والنصف الآخر يفترض أن يلتزم به السادة الثلاثة.

    في مقهى الرصيف، يجلس السيد "ميم" ينفض أصابعه الضوئية فتسقط النجوم المطفأة من ريشة محفوفة بالنثار الأسود.

    يرسم العاشقين بدقة متناهية. وقبل أن يمضي، يوصي النادل أن يحضر لهم قليلاً من الشاي. يهز النادل أشياء متعددة في جسده السمين ويجلسهم على كرسيين ثم يمضي دون أن يحضر شيئاً.

    يتمنى لاعبو الورق لو أن السيد "ميم"، أفرغ رسومه على ورق "الشدّه" التي بين أصابعهم.

    بعد قليل عاد النادل وأخذ يقلب الكراسي إيذاناً بإغلاق المقهى.

    وفي الصباح كان الناس يشربون قهوتهم وهم يحدقون في الرسوم المتحركة ضاحكين.

    في مقهى الرصيف يجلس السيد "واو" ينفض أصابعه النارية، فتسقط الجمار المترمدة من ريشة قلمه، يكتب قصة العاشقين، ويمضي بعد أن يوصي النادل أن يحضر لهم قليلاً من القهوة. ابتسم النادل برضى فاحش،حمل الأوراق عن طاولة السيد "واو" وصعد دكة المقهى الخشبية، وزع الأدوار على لاعبي النرد، وارتفع الستار.

    وحده السيد "تاه" في المقهى يقهقه من الأجساد التي تتحرك فوق الدكة الخشبية. وبأصبعه المعكوفة يضغط بفرح مدوٍ مجنون، يقفز الممثلون والمخرج خارج المقهى هلعين وبين أرجلهم تتطاير أوراق تداخلت فيها وجوه وكلمات.

    لا أحد في مقهى الرصيف، لكن ثمة جثة تحتسي قهوة نزيفها وكرسيين ينتظران فَرَحَين بحجم أصغر فجيعة كونية.


مجرد أربعة

 

    ثلاثة يفتشون عن رابعهم.

    بالأمس كان هنا، يمشط طرقات المدينة بحذاءٍ مهترئ. قيل أُلقي القبض عليه بتهمة رشق البيوت الجميلة بالغبار. احتج نزلاء السجن على استضافته، وحلاً للمشكلة، قالت رئيسة جمعية الخادمات الجميلات: لا بأس أن يعود إلى عادته المجنونة، ولكن شريطة أن يجرد من حذائه ويسير في الطرقات حافي القدمين.

    ضحك الراصد الجوي المتكوم في مرصده الزجاجي وقال: ومع ذلك لا بد أن تمطر غباراً.

    اثنان يفتشون عن ثالثهم.

    بالأمس كان في الجوار يعد نجوم الظهيرة، يكتشف في كل مرة أن الرقم غير متزن، ليس يدري، من كثرة أم من قلة. قيل أنه نزيل مستشفى الأمراض العصبية، يخضع لفحوص القدرات العقلية، وحين طلبوا منه عد النـزلاء لم يخطئ أبداً مع أنه عدهم أكثر من مرة مموهة.

    ضحك فراش المستشفى ضحكتين متقطعتين، فرحاً من منجز هذا الحاسوب الوطني، وحزناً، لأنه في الأيام القادمة لن يستطيع متابعة الرقم الفلكي.

    واحد يفتش عن ثانيه.

    بالأمس كان هنا، يمشي ملتصقاً بالجدران المعشقة بالأصداف البحرية، كي يواري ثقوب بنطاله الكالح.

    قيل: ألقى القبض عليه نفرٌ من الحرس السياحي، بتهمة جرح مشاعر السياح الأجانب، احتج مدير مصلحة السجون على استضافته، بحجة أنه لا يستقبل إلاّ السجناء السياسيين، وحلاً للمشكلة، قال رئيس جمعية مكاتب السياحة: لا بأس أن يعود إلى عادته المجنونة، شريطة أن يضاف لهيئته بعض التحسينات، كرقع بنطاله مثلاً، وبذلك يصبح من الفلكلور الوطني الذي يجذب كمرات السياح. وبوشوشة من مساعده الأيمن، تدارك رئيس جمعية مكاتب السياحة الموقف وقال: الأفضل أن يخلع بنطاله ويسير بملابسه الداخلية أسوة بالسياح الأجانب، وخاصة السائحات الجميلات.

    ضحـك مدير التنمية الاجتماعية، من هذا الحل، لأن الرجل الفلكلوري لا يرتدي ملابس داخلية.

واحدٌ يفتش عن واحد.

    تحسس أعضاءه جميعاً، صرخ بنشوة المنتصر، وجدتني...وجدتني. لكنني لا أعرف أيّاً أكون من أربعة كانوا.


حواريه

 

(1)

    رجلان فقط من ورق ومخمل. قال الرجل الورقي: اقرأني

- لست بقارئ جلود بشرية.

    وقال الرجل المخملي: ارتديني.

- لا أريد أن أفضح عريي.

    في الصباح المبكر. جاء بائع الجرائد، وباع رجل الورقي بسوق الكلام بدرهمين. كذلك فعل التاجر بسوق النسوة، باع الرجل المخمل بدرهمين.

    في المساء عاد الزوج من عمله متعباً منهكاً وفي يده جريدةٌ بيضاء من غير سوء، كذلك عادت الزوجة متعبة منهكة وفي يدها كيسٌ من الخيش.

    قال الزوج: هذه صحيفة نظيفة، نفترش بها مائدة الطعام

    وقالت الزوجة: وهذا خُرجٌ جميل لحمارك. ثم تعانقا

(2)

    لا شئ في الدكان، لا معلبات ولا حبوب ولا مشروبات غازية ولا سكر ولا طحين. لا رفوف معدنية أو خشبية ولا أكياس ولا كرسي ولا طاولة، لكن ثمة ميزان شاقولي في يد البقال المتربع في منتصف الدكان.

قال الفتى: أريد رطلاً من الكلام النظيف.

- لا يوجد في الوقت الحاضر

- لا بأس لو كان نصف نظيف

- غداً، ربما يوجد

- أعطني من المتيسر إذن.

    هز البقال رأسه وزان له رطلاً من الأخبار العربية.

(3)

     قال المسؤول الزراعي: اقترح أن تحول كل أجهزة التلفزيون في الوطن العربي إلى صحاحير خضار وفواكه، وبذلك نتحرر من قيود البنك الدولي، وفي نفس الوقت نقضي على المجاعة في عقر معدة المواطن العربي.

    قال المسؤول الإعلامي: اعترض. الاعلام مهم لنا جداً، خاصة في هذه المرحلة الحرجة، فلولاه مثلاً، لما استطاع المواطن العربي أن يحيط بكل أسرار وملابسات زواج نجوى كرم.

    قال نقيب المذيعين المرئيين: وماذا سنفعل بهذا الجيش الجرار من المذيعين والمذيعات؟

    حين سمع وزير الدفاع هذا الكلام، فز من قيلولته وقال: ذكرتني بكلمة جيش. ماذا تعني في لسان العرب؟

    فزَّ نقيب المذيعيين المرئيين فرحاً وقال: يا الله… بضاعتنا ردت إلينا، اللسان اختصاصنا، ولكن إذا كان لا بد من هذا الإجراء أقترح أن يستوعب الزملاء في الفرق.....

المسؤول الرياضي مقاطعاً: في الفرق الرياضية

مسؤول الفرق الموسيقية: لا. بل في الفرق الموسيقية

مسؤول الفرق الدينية: لا. بل في الفرق الدينية

مسؤول الفرق الكشفية: لا. بل في الفرق الكشفية.

مدير المنتجع الطبي: الكشفية 200 دولار والعملية 2000 دولار مضافاً إليها رسوم التغسيل وثمن الكفن وأجرة سيارة نقل الموتى.


 

برتابا… برتابا*

 

    مفعم بالرعونة هذا المشاكس كان يجيء، رائحة دخان الطوابين تفوح من حلقات شعره الجعدي، بقع السمن والزيت تحتل حيزاً ملفتاً للنظر في بنطاله الكاكي الكالح، وحين يسير تسمع خشخشة فخاخ الصيد السميكة المدلاة على جنبه.

    في العام الماضي كان يزهو على أقرانه بحزمته الجلدية الجديدة، وإمعاناً بتفرده لم يكن يتوانى عن ركل ما يصادفه في الطريق من حصى وحجارة صغيرة، أو حين يغوص متعمداً في الوحل حتى يحصل على متعته الطفولية لحظة غسلها في مياه قناة (دفنا)**.

    كل هذه الشيطنات جعلته في هذه الأيام يكبح جماح رعونته خوفاً من كدم أصبَعَيْ رجليه الكبيرتين الخارجتين من شقوق الجزمة السوداء. استدار صوب حقل الذرة المجاورة، أهلك كمية لا بأس بها من الأعواد حتى حصل على دودة سمينة أدخلها في حلقة خيط (كرزم) الفخة ثم حشرها في الخرزة الصغيرة.

    (نصف الشحتوت أصبح الآن في يدي ونصفه الآخر سيأتي بعد قليل). لم يكن يعلم أن الغيوم التي بدأت تتلبد في السماء، ستطلق من دائرة حلمه الشحتوت المنتظر، ولحين استعداد البرق والرعد كان يقفز  كالجندب بين شجيرات التين محاولاً توجيه رف الشحاتيت صوب فخته المطمورة بين الأثلام. وعلى غير توقع سمع قوسي الفخة ينطبقان على بعضهما البعض، وهذا يعني أن الطائر أصبح في متناول اليد مما جعله يقفز بسرعة جنونية ليخلص الطائر قبل أن يختنق. ولكنه تفاجئ بأن الشحتوت تحول إلى جرذون كبير فرّ بالفخة بين الأشواك وأحجار السناسل ومن يومها لم تمطر إلا في العام القادم.

    حارات البلدة طافحة بالنفايات والبواليع متخمة بالأتربة والحجارة والأوراق.والولد المشاكس يتأمل السماء يرقب ميعاد المطر، ينبض قلبه مع كل سحابة تمر دون إلتفات، يود لو يحلبها كالراعي (أبو شاليش) الذي يحلب قطيعه لنساء الجبل، ولكن عبثاً كان ينتظر. لملم ذله الكسير، حمل علبتين معدنيتين أخذ يطرقهما في بعضهما البعض، وبين الطرقة والأخرى يصرخ بصوته الأجش (أمطري وزيدي بيتنا حديدي عمنا عبد الله كسر الجرة).

    أراهن لو أنك فتشت كل بيوت البلدة فلن تجد جرة واحدة في زمن الكولا والفيديو والدش حتى العم عبد الله هذا لم تعد أوضاعة الاقتصادية تسمح بكسر مجرد كأس صغير فكيف بالجرة التي أصبحت لا تراها إلا في مسلسلات التلفزيون؟. الولد المشاكس أعند من بغل شموص، لن يرتاح حتى يحصل على جرة ويحطمها في ساحة البلدة ولكن المشكلة في الإسم.

    على أية حال كلنا عبيد الله.

    وبعد هذا المخرج من هذه الاشكالية الطارئة حصل عبد الله الجديد على جرة لم يلمسها الماء منذ أن كانت تراباً في ذراته ماء (دفنا) وهذا كافٍ للملمة أجزاء الصورة المندثرة من زمن ليس بعيد. وعلى صوت ارتطام الجرة بحجر الصوان المزروع في طرف الساحة، تجمع الأطفال فرحين مهللين، كلٌّ يحاول حيازة أكبر قدر ممكن من شظايا الفخار، كانت مشكلة تجميع الأطفال من الأمور التي لا تقل أهمية عن موضوع الحصول على جرة في زمن المنقرضات.

    ومن حسن الحظ أن نصف المشكلة كان طرف الخيط الذي بواسطته حل الطرف الآخر من نصفها، ولكن أي قوة ستجعلهم ينضمون في الأوكسترا التنكية، أمزجة صغيرة ترتد لنقطة انطلاقها قبل جلاء المواقف واستقرار الأمور، كل الذي فعلوه أن لملموا أشلاء الضحية وانسحبوا باحثين عن مشهد يستفز طفولتهم، لذلك لم يجد الولد المشاكس أمامه من خيار سوى أن يحمل العلبتين التنكتين ويبدأ بعزف لحن المطر، ثمة صوت غير مفهوم يردد خلفه، تلفت، حمى الطرق يتناغم مع فوضى النشيد وأطلق أول ضحكاته في هذا النهار حين شاهد البهلول وهو يتمايل مع الإيقاع التنكي ومردداً لازمة النشيد بلغته الخاصة: برتابا… برتابا .


 

مطر أسود

 

    الأشياءُ مربوطة بخيوطِ القنبِ الكالحة، أيُ أصابع جدلتها على بعضها في عروة وثقا، وأيّ مسلة غرزتها في جسدِ عيد الحصاد، هذه المشيمة الدموية عرقوب المنتظرين. البنت التي تربي نهديها بخرقة بالية تحلمُ بحمالة خمرية، والولد الطائش شاهد في منامه حذاء الجلد يطبق على قدميه، والمرأة الناضجة أحست بثوب المخمل يزيد استدارة أشيائها الثمينة، والرجل المتجهم تمنى ديماية مقلمة بالأبيض والأزرق، كل هذه الأحلام مشدودة بخيوط القنب عالياً عالياً، حيث وميض البرق وهزيم الرعد. عيد الحصاد مهرٌ جامح يتصاعد بخار الحنين من منخريه المتعرقين. يلهث بين شجرتي التين والزيتون، ويصهل بين البيدر ودكان أبي وردة في المدينة.

    الأرض كأس فارغة تنتظر المطر النبيذي المؤلم ليعيد الحصاد، قال البهلول الذي لا ينتظر شيئاً وأضاف: الموسم مربوط بأذني حمار أبي سعده، راقبوا اتجاهها في النصف الأخير من الشهر الثالث من فصل الخريف. إن كانتا مرتخيتين فالويل لكم وإن كانتا مشدودتين إلى الأعلى فالمطر كثير والموسم وفير، ضحك الولد الطائش من مصير حذائه المربوط بأذني حمار أبي سعده.

    ما مـن أحـد في البلدة سوى الثغاء والخوار والمواء والهديل وجسـد

البهلول المتكئ على "قرمية" التوتة الهرمة. وأما أهلها المنتظرين فقد كانوا يدقون باب أبي سعده. شيء ما يرتطم في الأرض له إيقاع الجسد، تعوّد أبو سعده الهرب عند أول طرقة باب، لعلها يد أبي وردة جاء مطالباً بديونه المتراكمة.

    لم ينتظروا من يفتح لهم واتجهوا صوب الحظيرة. كان الحمار على مدوده يلوك أعشاباً جافة، لم يكن وضع رأسه يسمح بالتنبؤ، انتظروا حتى ينتهي، وبعد الانتهاء أطلق نهيقاً قوياً، ما لبث أن تحول إلى قصف رعد وهدير. ابتعدوا هلعين. قيل أن عشبة غامضة وغريبة هي السبب في هذا التحول المرعب.

    مطر أسود ينهمر… من كل قطرة يفقس طائر أسود بجناحين مدببين. غربان سود تملأ الأفق الضبابي. تحتل الذرى والقمم والذؤبات. البنت التي تربي نهديها بخرقة بالية لم تستطع لجم اندفاعها، والولد الطائش خاض في السواد حافي القدمين، والمرأة الناضجة تبسطت أشياؤها الثمينة وأصبحت بلا استدارة. والرجل المتجهم فرّ من البلدة بسرواله الرث.

    ما من أحد في البلدة سوى الثغاء والخوار والمواء والهديل وثمة رجل يداعب تورقاً في "قرمية" التوتة الهرمة.


 

احتراق

 

    تعود أن يخرج من جحره البيضاوي المتشقق كل صباح، يجرع بخار القهوة بانتشاء مفتعل، يلم الفوضى ما تبقى من غرته بمشط تساقطت غالبية أسنانه السوداء، يُذكِّر الباب بود حذائه المهترئ، ويغطس في زحمة الصباح مستسلماً لرذاذ التعب.

- صباح الخير

-……….

    أي خير وأي صباح في الزمن الدخاني؟ هل يعقل أن تجد لها مكاناً هذه المفردات الخارجة من جحر البيضوي متشقق على الشفاه الجليدية؟ ربما ذات صيف لم يجيء بعد. يقال أن الصيف لا يتساهل مع الذرى في ترتيب فوضى النسمات. فكيف مع الجُحر؟

    لو أني حجر في الطريق، قال الحجر، ربما، لو تغيّر النقطة مكانها.

    كتلٌ خشبية كانت تسمى مكتباً، والآن يقول المراجعون أصحاب الأرقام التي لا تجيء " خشب أسود متشقق وكرسي بقرت حشوته الأسفنجية، ومؤخرة هزيلة لرجل من ورق.. هكذا إذاً أنا، قال الرجلُ المبلل برذاذ التعب وفتح باب المعاملات على مصراعيه لعل أصحاب الأرقام التي لا تجيء يدخلون دفعة واحدة.

    وحدها دخلت المرأة الزوبعة، سياط عطرها تجلد الشهيق، تدميه، يخرج محرمة ورقية، يعصر أنفه، يحترق في أرقام المرأة الزوبعة.

    ليت للجحر نافذة لأشرعها لهذه الزوبعة، وليت لي أنف بمسار واحد، الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود. هل يخرج العطر من جحر بلا نوافذ؟

    المرأة تبحث عن أرقامها بين أصابع الرجل الورقي. والرجل الورقي يولم نفسه لحرائق أنفاسها المعطرة، تتلاشى المسافة بين النار والورقة، ألسنة حمراء تلوك وتزدرد، تطحن كل شيء والمرأة تلقي فضلات الرماد في السلة المهملة وتخرج بلا زوبعة وعطر.


 

فيضان

 

    الرجل الذي يعبد النجوم النحاسية ينام النهار كله، والمرأة التي تعشق عطرها تحصد أزهار البستان وتقذفها في النهر، أما الولد الذي يعشق السحابة، صعد مئذنة البلدة ومدّ يديه عالياً، سرَّحَ شعر حبيبته حتى انبجس الماء من عينيها السوداوين ففاض نهر الأزهار وجرف الرجل الذي ينام في عز الظهيرة.


 

الكرسي

 

    لا أملك إرادتي، لكنني أملك حلم الخيار، بين أن أكون مطية لمؤخرات السادة الذين لا ينهضون أبداً، وبين أن أكون حطباً في موقد فقير يرتجف أطفاله من برد الشتاء الأبدي. إلهي اجعلني حطباً دائم الاشتعال واعفني من مؤخرات الوراثة، والاغتصاب العضود.

    قالت الشجرة: منذ خطيئة آدم وحواء، وأنا أمكنكم من ثمري وورقي وظلي، اجعلوني أشيخ على مهلي دون أن تستأصلوني، وتقطعوني خشباً تلتصق به مؤخرات السادة الذين لا ينهضون أبداً. اتركوني حطباً يلتقطه فقير معدم. يا حطبي كن لهباً وسلاماً على أطفاله المرتجفين.

    قال النجار: لا بأس سأمتنع عن صناعة الكراسي، من أراد أن يجلس فليجلس على ما يشاء.

    التقط العسس الليلي كلمات النجار، وبعد المساءلة، أجلسوه على خازوق.

    قال الكرسي: حين رأيت النجار، امتلكت حقيقة الخيار الذي لم أتمناه ذات يوم، وكنت، لعلني أخلصه مما هو فيه. لكن الحرس الليلي باعد بيني وبين مؤخرة النجار الدامية، حملوني لسيدهم. وحين استوى عليّ بمؤخرته، أخذ الأطفال يرتجفون من البرد الأبدي وما زالوا.


 

رجل الغبار

 

    تعددت أسماء الرجل القادم من غبار النهار، ثمة إجماع على مضض، لأن الأسماء المقترحة لم تعد من مدافنها، لذلك بقيت عرضة لمزاج الذاكرة التي لم تعتمد التوثيق في يوم ما. ليكن اسمه الرجل الأثري وكفى. قال فتى في آخر القاعة: شاهدته أول مرة بعد أن لفظت الشمس أنفاس ضوئها بقية نهار غامض، فزّ من زوبعة ترابية ، لكن الغبار الذي رافق موكبه احتل الفراغ المخصص لانطباق الجفون، لذلك لم يره أحد من المنتظرين، لكن الغبار الذي رافق موكبه احتل الفراغ المخصص لانطباق الجفون، لذلك لم يره أحد من المنتظرين، لكن الجميع أحسوا بوجوده يختال في الطرقات المتربة. قالت امرأة كانت ترضع شيخها الباكي: هذا الرجل باع ملامحه في سوق الجماجم هناك. قال الشيخ الذي يرضع حليب المرأة الأسود: أي جماجم تحتاج مثل هذه الملامح؟؟

    قال فتى في منتصف القاعة؛ يُحيي العظام وهي رميم، ويعيد ملامحها الأولى، " أي جماجم تحتاج مثل هذه الملامح؟"

    بكت المرأة المرضع، وبكى الشيخ الذي رضع حليباً أسودا، أما الفتى الذي في أول القاعة، أطلق رصاصة ضحكته على غشاؤه الغبار. فشوهد كل شيء إلاّ الرجل القادم من غموض النهار.


 

تحول

 

    قليلاً ما يتآلفون، وكثيراً ما يخرجون من أسمائهم المتعددة، يعودون إلى المكان كأنهم ما تركوه، متحدين في لعنه في الصباح، ومشتتين في مديحة في المساء.

1

    يليق به أن يكون سيد الفوضى الجميلة، وكان على الريق يأتي، يفتح باب حديقته ويشاكس المارة، يرميهم على غفلة بوردته الدائمة، ويذهب في غبار ضجيجه كخيط رذاذ يلوح بقميص وردته العائدة. يذهب حتى النهايات، ولكن ليس قبل أن يضبط إيقاع الشارع.

2

    يضيق به الفضاء إن لم يكن سيد السرب، يخلع أجنحته الشمعية عند أول منعطف، يذوب حتى أقاصي السواد، هكذا يتحول العصفور إلى غراب، ويذهب حتى انطفاء النقيق، ولكن ليس قبل أن يتمطى نشازه في الطرقات كقط عجوز.

3

    يألف كل المفاتيح، بعد أول " طقة" في ثقب قفله، تنهمر الفكاهة فوق الأرصفة ولا تقف عند حد. كل شيء مشرع له ولها. على ماذا يخاف بعد كل هذا الوضوح، السيد الفكاهي لا يذهب قبل غيره، لأنه يعتقد أن الشارع ليس للمارة فقط.

    قليلاً ما ينسجمون، لكنهم الآن في الشارع، كل ينظر إلى جهة مغايرة، والمارة يحدقون بدهشة بالتماثيل التي تحولت إلى وردة وقط وقفل.


 

ذبابة

 

    لم يعد في المقهى سواه، حدّق في لون الشاي داخل الكأس، فتراءت صورته في التعرجات الخمرية، حاول أن يثبت رأسه، لعلها تثبت هي الأخرى، حتى يتأكد أن هذه الملامح تخصه وحده. لم يفلح. لكنه أدرك أن شيئاً ما في الكأس يشبهه، انفجر ضاحكاً حين تذكر أن لا أحداً في المقهى سواه.

    الرجل الوحيد لم يطلب شيئاً هذا النهار، لكن النادل المتعرق، عاجله بشيء ما في كأس دبقه الحواف" أترى هذا السواد من مخلفات زبون آخر مضى دون أن يقوى على احتساء نصفها الممتلئ؟! خمّن ذلك. ثم أخذ يقيس كل نصف على حدا، ليتأكد من عدالة التوزيع بين الفراغ والامتلاء، انفجر ضاحكاً حين سقطت ذبابة في الكأس.

    الرجل المهزوم أمام ذبابة. حدق في الكأس التي زادت امتلاء. اتكأ على انكساره وغادر المقهى محفوفاً بالطنين.


 

الرجل الذي قفز من الشرفة

 

    أنا الرجل الطاعن بالنشوة لم أبرح شرفتي منذ خمسين. أطلقوا جياد التأويل في براري هذا الرقم، لأنني لست ملزماً بكشف هويته، إن كان سنة أو قرناً أو مجزرة. بالنسبة لي لا فرق ما دام يُعَبِّرُ عن أمديّة هذا المشهد.

    قال الطفل الخارج من تفاح كهولته: ربما خمسون عاماً لأنني ولدت في تلك السنة. وقال الشاب الطاعن: ربما خمسون قرناً لأني ولدت في تلك الحقبة، وقال المسن الذي يمشي على أربع: ربما خمسون مجزرة، لأنني فقدت في أولها طرفي اليمين، وفقدت في آخرها طرفي اليسار.

    هي شرفتي التي لم أغادرها منذ ذلك الوقت، قهوتي الأولى لم يجف تفلها، لم أغسل فناجيني، الأواني تتراكم في كل مكان، لكن الشمس لا زالت تُهرِّب أشعتها من فجوات سرية، أحسب القتلى بإعداد هذه الفناجين، وأدونّ في دفتري ما تبقى من الأحياء.

    قال الطفل الخارج من تفاح كهولته: البن شحيح في السوق، والمهيئون للقتل أكثر من سنابل الوادي. وقال الشاب الطاعن: كم يلزم من الفناجين الفارغة حتى يُفتح باب الشرفةَ على الرجل الطاعن بالنشوة؟ وقال المسن الذي يمشي على أربع: كم مجزرة يلزم ليكتمل النصاب المؤرّخ في كتبهم القديمة؟

    أنا الرجل الطاعن بالنشوة شرفتي هي شرفتي، لكنني ملزم بالإقلاع عن إحتساء هذه القهوة وتكسير فناجيني وتمزيق دفتري. وقفز من الشرفة.


 

أكياس ممتلئة

 

    البناءون الثلاثة، أتوا من زحام المدن وأسواقها الكاسدة، وصلوا في عربات تجرها أحصنة هرمة، يومض في أعينهم شبق برابرة رتيسوس، البناءون الذين يكرهون الحجارة. أوقفوا في كل محطة مرغمين بأكياسهم الفارغة، قال الأول عن الخراب المهندس: "ليس في الإمكان أبدع مما كان". وقال الثاني: سيكون أبدع مما هو كائن. وقال الثالث: وهو يُرقّع نعليه بجلد ظبي قتيل: ما أجمل هذا المشهد؟ كان ما سوف يكون. البناءون اقتحموا سوق السبت، ابتاعوا عدة للعمل بأقساط مريحة وبدءوا عملية الترميم.


 

ورابعهم…

 

    الرجل الذي يرتدي عباءة خريفية، فرّ من ضجيج الألوان وحرير الملاءات النبيذية، تحرر من عينين شبقتين وطيش أنين لا يرحم, انتحي جانباً في برية في الجوار وحدق في زهرته الذابلة. تحسس أش